السيد عباس علي الموسوي

311

شرح نهج البلاغة

( متى استهوتك أم متى غرتك أبمصارع آبائك من البلى أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى ) استفهام استنكاري يراد به استبعاد غرور الدنيا له وأن من يجري عليه مثل هذا يجب أن يتنبه ويستيقظ ولا يغتر . . . متى سلبت الدنيا فكرك وجذبتك إليها ونادتك نحوها ومتى أضلتك وانحرفت بك وأنت ترى مصير آبائك ونهايتهم فقد أنهتهم من الوجود وأصبحوا رهائن القبور وكذلك أمهاتك أين أصبحن وأين صرن ألم يمتن ولم يبق منهن أحد وهل هذا يوجب الاعتبار بها وإلى أخذ العظة منها بأنك لن تبقى أنت عليها ولن تدوم هي لك . . . إنها من دواعي التنبه لا من دواعي الاغترار . . . ( كم عللت بكفيك وكم مرضت بيديك تبتغي لهم الشفاء وتستوصف لهم الأطباء غداة لا يغني عنهم دواؤك ولا يجدي عليهم بكاؤك ) كل منا يمرض له كبير يخدمه ويطلب له الدواء والأطباء يريد له الشفاء فترانا نطلب لهم الوصفات الطبية التي نريد من وراءها شفاؤهم ولكن يغلب المقدور وتتعطل الأدوية ويرتفع الشفاء ويسقط المداوى ميتا بين أيدينا لا يشفيه الدواء ولا يرده البكاء . . . ( لم ينفع أحدهم إشفاقك ولم تسعف فيه بطلبتك ولم تدفع عنه بقوتك وقد مثلت لك به الدنيا نفسك وبمصرعه مصرعك ) هذا بيان لسقوط الحيل أمام الموت فلا تجدي الرحمة منك والشفقة على الميت وما تطلبه له لا ينفعه ولا يعينه ومهما كانت قوتك في سبيل ذلك تتعطل وتتوقف لقد صورتك الدنيا به فهو صورة عنك فكأنك أنت الملقى بين أيدي أحبتك يعللونك ويسعفونك ويطلبون لك الأدوية والشفاء ولكن لا ينفعك شيء منها بل يأتيك الموت رغما عنك وعنهم فكأنك أنت نفسك وكأن مصرعه مصرعك وموته موتك . . . ( إن الدنيا دار صدق لمن صدقها ) ذكر محاسن الدنيا وكيف يستطيع هذا الإنسان أن يستفيد منها ويستغلها لصالحه في دنياه وآخرته فإذا صدقت مع الدنيا - بعد معرفتك بها - صدقتك هي وصدقك معها أن تعرفها وتحذر غوائلها وتبتعد عن مفاسدها ومآثمها وبذلك تصدقك الدنيا وتصدق معك فلا تغرك ولا تضلك ولا تدفعك إلى النار . ( ودار عافية لمن فهم عنها ) فمن فهم مواعظ الدنيا ورسائلها التي جرت على الآباء والأمهات والأسلاف وعامة الأموات كانت له عافية من المآثم والمعاصي والحرام . ( ودار موعظة لمن اتعظ بها ) فمن أراد العبرة والعظة منها استطاع أن يأخذ ذلك مما يمر بنفسه فيه أو مما يمر فيه غيره من المآسي والمصائب والفجائع والدواهي . ( مسجد أحباء اللّه ومصلى ملائكة اللّه ) هذه محاسن الدنيا وأرفع ما فيها عليها اتعبّد